السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
78
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والكرامة . فالمراد بهذه البنوة الاختصاص والتقرب ، ويكون عطف قوله : « وَأَحِبَّاؤُهُ » على قوله « أَبْناءُ اللَّهِ » كعطف التفسير وليس به حقيقة ، وغرضهم من دعوى هذا الاختصاص والمحبوبية إثبات لازمه وهو أنه لا سبيل إلى تعذيبهم وعقوبتهم فلن يصيروا إلا إلى النعمة والكرامة لأن تعذيبه تعالى إياهم يناقض ما خصهم به من المزية ، وحباهم به من الكرامة . والدليل عليه ما ورد في الرد عليهم من قوله تعالى : « يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » ، إذ لولا أنهم كانوا يريدون بقولهم : « نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ » أنه لا سبيل إلى عذابهم وإن لم يستجيبوا الدعوة الحقة لم يكن وجه لذكر هذه الجملة : « يغفر » ، ردا عليهم ولا لقوه له : « بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ » موقع حسن مناسب فمعنى قولهم : « نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ » أنّا خاصة اللّه ومحبوبوه لا سبيل له تعالى إلى تعذيبنا وإن فعلنا ما فعلنا ، وتركنا ما تركنا لأن انتفاء السبيل وقوع الا من التام من كل مكروه ومحذور هو لازم معنى الاختصاص والحب . قوله تعالى : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أمر نبيه بالاحتجاج عليهم ورد دعواهم بالحجة ، وتلك حجتان : إحداهما : النقض عليهم بالتعذيب الواقع عليهم ، وثانيتهما : معارضتهم بحجة تنتج نقيض دعواهم . ومحصّل الحجة الأولى التي يشتمل عليها قوله : « فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ » أنه لو صحت دعواكم أنكم أبناء اللّه وأحباؤه مأمونون من التعذيب الإلهي لا سبيل إليه فيكم لكنتم مأمونين من كل عذاب أخروي أو دنيوي فما هذا العذاب الواقع عليكم المستمر فيكم بسبب ذنوبكم ؟ فأما اليهود فلم تزل تذنب ذنوبا كقتلهم أنبياءهم والصالحين من شعبهم وتفجر بنقض المواثيق الإلهية المأخوذة منهم ، وتحريف الكلم عن مواضعه وكتمان آيات اللّه والكفر بها وكل طغيان واعتداء ، وتذوق وبال أمرها نكالا عليها من مسخ بعضهم وضرب الذلة والمسكنة على آخرين ، وتسلط الظالمين عليهم يقتلون أنفسهم ويهتكون أعراضهم